4- النمو النفس للطفل في ميزان التحليل النفسي:
لكي نفهم صيرورة النمو النفسي عند الطفل لابد لنا من الوقوف عند مفهومه والنمو النفسي يعني الديناميكية العلائقية التي تسمح ببناء سوي ومتكيف للذات مع الذات وللذات مع المجتمع. ويرى العلماء المهتمين بالنمو النفسي أنه يجب أن تدرس الحياة النفسية للفرد حسب عدة وجهات نظر:
- وجهة نظر بنيوية: Structurale التي تقارب الحياة النفسية بالنسبة للجهاز النفسي
- وجهة نظر دينامية:Dynamique إذ تنظر إلى الحياة النفسية على أنها لعب قوى متصارعة.
- وجهة نظر اقتصادية:Economique تهتم بالجانب الكمي للعب القوى هذا
- وجهة نظر نشوئية:Genitique والذي يهتم بتطور الظواهر والبنيات النفسية.
والحياة النفسية ينظر إليها على أنها تظاهر وتطور تدريجيين للعب القوى متصارعة يتم في الجهاز النفسي الذي تصوره فرويد Freud على أنه مجموعة أركان Instances مترابطة لكل واحد منها وظائف ومميزات خاصة بها وهذه الأركان هي الهو– الأنا – الأنا الأعلى.
- الهــو:ça خزان الطاقة النفسية فمن جوهره النزوي يتطور الأنا والأنا الأعلى حيث يحتوي الهو على الاستعدادات الوراثية والنزوات وكل ما تم كبته، ويعمل الهو وفق مبدأ اللذة ويهدف إلى إقصاء بسرعة التوترات الناتجة عن عدم الإشباع، ويقع على صعيد الصيرورات الأولية أي على صعيد العمليات العقلية والفكر اللامنطقيين، فيه يسود التكثيف والإزاحة نتيجة غياب كل رفض. يمثل الهو القطب البيولوجي في الشخصية.
- الأنــا:Le Moi يعد جزء من الهو الذي يتطور تدريجيا نتيجة الاحتكاك بالعالم الخارجي يعمل حسب مـبدأ الواقع، ويقـع عـلى صعيـد الصيرورات الثانوية أي عـلى صعيد الفكر الموضوعي والعقلاني، يلعب الأنا دور الوسيط بين الهو والأنا الأعلى والواقع يتعرف على النزوات ويشبعها بصورة تتماشى مع الواقع من جهة ومتطلبات الأنا الأعلى من جهة أخرى يدير الأنا الصراعات ويراقب النشاط الوظيفي للنفسية وذلك باستخدامه آليات دفاع لاشعورية، يضمن الأنا الوظيفة التركيبة للشخصية، ويتجنب التوترات الشديدة، يجمع المعلومات التي تصل إليه ويبحث عن تعديل الوسط وذلك بجعله قابل للاستجابة لحاجاته وتلبية رغباته. يمثل الأنا القطب النفسي في الشخصية.
- الأنــا الأعلى:Super Moi هـو بنية تطورت انطلاقا مـن الأنـا وذلك بتبطن Interieurisation الممنوعات والمتطلبات الوالدية في بادئ الأمر والتي يصادفها الطفل خلال نموه. يعد الأنا الأعلى ركن الممنوعات والمثاليات والمعايير، وهو بمثابة الركن الذي يرجع إليه الفرد ليحكم على نفسه وعلى الآخرين. يمثل الأنا الأعلى القطب الاجتماعي في الشخصية.
إن هذه الأركان الثلاثة في ميزان التحليل النفسي مستقرة نسبيا تشكل الشخصية وتراقب صيرورتها وتفاعل هذه الأركان يحدد السلوك وينمذج الشخصية هذه الأخيرة التي تعد من أعقد المفاهيم في علم النفس لأنه يشمل على كل المظاهر الفيزيائية والانفعالية والعقلية والأخلاقية التي تتفاعل وتتكامل عند فرد معين يعيش في وسط اجتماعي.
تجدر الإشارة إلـى أن التحليل النفسي عمل عـلى إبراز أهمية التجارب الأولى لتكوين الشخصية وذلك عن طريق الدراسة الإكلـينيكية للحالات المرضية. ومنح أهمية بالغة للسنوات الخمسة الأولى من الحياة على أنها ناتجة عن تفاعل المحددات البيولوجية والمحددات النفسية وخاصة المحيط العائلي الذي هو عامل النقل المجسد والنوعي للثقافة، وعموما إن تكوين الشخصية يظهر عـلى أنـه تنشئة اجتماعية فيها عمل التحليل النفسي عـلى إبراز التقمصات المتعددة وفي هذا الصدد بينت مارغريت ميد M.Mead أهمية تعلـم الأدوار الاجتماعية في تفسير نشوء الشخصية، وأن هذا التعلم يتم في الطفولة عن طريق اللعب الذي سانده اكتساب اللغة التي بفضلها يستطيع تبطن مختلف أجزاء الفعل الاجتماعي الذي يشارك فيه. يحتل القلق مكانة مركزية في دينامية الشخصية ويعد بمثابة حالة توتر وبالتالي فهو حافز أقوى في تصور الفرد، ولا تبرز بنيات الشخصية والصيرورات النزوية المكونة في النفسية، بل هي نتاج تطور لمراحل ليبيدية التي هي أنماط التنظيم النفسي والتي تتمايز، وتمتاز بارتباطها بمنطقة معينة من مناطق الجسم وبنمط علائقي معين مع الواقع خلال مرور الفرد بمرحلة من مراحل النمو النفسي والتي يستطيع أن يتثبت بها أو ينكص إليها وينقسم النمو النفسي كلاسيكيا إلى ثلاث فترات رئيسية :
الفترة الأولى: وتحتوي على المراحل الفمية، الشرجية، والقضيبية.
الفترة الثانية: وتسمى مرحلة الكمون.
الفترة الثالثة: وتسمى مرحلة التناسلية، من خلالها يصل الفرد إلى النضج الجنسي الحقيقي.
الفترة الأولى : في هذه الفترة يتميز النمو النفسي للطفل بمميزات وينقسم إلى مراحل تتمثل في : المرحلة الفمية، المرحلة الشرجية المرحلة القضيبية.
-1- المرحلة الفمية: من 0ــــ إلى 14 شهر Stade Orale: تتحدد هـذه المرحلة بالفمية لأن مختلف حوافـز الطفل تنتظم تحت سيادة الحساسية الفمية. فالطفل على علاقة تبعية بالوالدين وخاصة الأم، لم يتعلم بعد مراقبة حاجاته ويطلب إشباعا فوريا ويعمل وفق مبدأ اللذة – الألم لكن لا يمكن للمحيط أن يستجيب دائما فوريا نظرا لعدة عوامل خاصة بالواقع وهكذا منذ بداية تشكل حياة الطفل تتشكل عدة نماذج علائقية فطلب إشباع حاجة ما يشكل حافزا أو قوة يصادف جملة من المتطلبات وكل حل جيد لهذا الصراع يمكن من النضج. إن هذه المرحلة هي مرحلة اكتساب الثقة أو العكس الحذر؛ إذا كان الطفل لم يتم إشباع حاجاته الفمية ولم يلقى الحماية التي كان على المحيط توفيرها حينئذ سوف يرسخ في الطفل الإحساس بالحذر تجاه الآخرين وتجاه نفسه.
إن الطفل في أواخر السنة الأولى من الحياة قد تدرب على الانتظار وبدأ في إخضاع حاجاته لمتطلبات الواقع وبدأ يشتغل وفق الصيرورة الثانوية إذ أن تصرفاته بدأت تخضع أكثر فأكثر لمبدأ الواقع. لا يدرك الطفل في هذه السن الأفراد الآخرين إلا كطعام أو كمصدر للطعام ويتخيل في هواماته أنه مرتبط به عند ابتلاعه أو عند استبدانه.






















